الخميس، 28 يونيو 2012

أروع ما قيل في الحب

تفننت العرب في الحب ومشتقاته وتوسعوا فوضعوا له حوالي ستين اسما، وأهمها: المحبة والعلاقة، والهوى، والصبوة، والصيانة، والشغف، والمقة، والوجد، والكلف، والتتيم، والعشق، والجوى، والدنف، والشجو، والشوق، والخلابة، والبلابل، والتباريح، والسدم، والغمرات، والوهل، والشجن، واللاعج، والاكتئاب، والوصب، والكمد، واللدع، والحرق، والسهد، والأرق، واللهف، والحنين، والاستكانة، والتبالة، واللوعة، والفتون، والجنون، واللمم، والخبل، والرسيس، والخلة، والخلم، والغرام، والهيام، والتدليه، والوله، والتعبد. 
    وحاول الثعالبي في كتابه "فقه اللغة" أن يجد تمييزا بين أسماء الحب وصفاته، فقال: 
"أول مراتب الحب الهوى، ثم العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب، ثم الكلف، وهو شدة الحب، ثم العشق، وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب، ثم الشغف، وهو إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج، فإن تلك حرقة الهوى، وهذا هو الهوى المحرق. ثم الشغف، وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب، وهي جلدة دونه. ثم التبل، وهو أن يسقمه الهوى، ثم التدليه، وهو ذهاب العقل من الهوى. ثم الضيوم، وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه". 
قالت العرب: 
الحب هو الميل الدائم بالقلب الهائم. وقيل إيثار المحبوب على جميع المصحوب. وقيل موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. وقيل إيثار مراد المحبوب على مراد المحب. وقيل استيلاء ذكر المحبوب على قلب المحب. وقيل أن تهب كلك لمن أحببته فلا يبقى لك منك شيء. وقيل أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب. وقيل الإرادة التي لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر. وقيل قيامك لمحبوبك بكل ما يحبه منك. وقيل عمى القلب عن رؤية غير المحبوب". 
الحب نار مقدسة تحرق في الوجدان دنس الشر، تمحو من القلب حقده، ومن النفس سأمها، ومن الجسد خموله، ولا يترك لهبها غير الخير والأمل والطهر والنشاط. 
لذلك قال الشاعر: 

يا سيدتي: 
لا تضطربي مثل الطائر في زمن الأعياد
لن يتغير شيء مني
لن يتوقف نهر الحب عن الجريان
لن يتوقف نبض القلب عن الخفقان
لن يتوقف حجل الشعر عن الطيران
حين يكون الحب كبيرا..
والمحبوبة قمرا..
لن يتحول هذا الحب
لحزمة قش تأكلها النيران...

الحب حياة. هو ما يمنحها معنى. بدونه تكون عدما. لا شيء. كتلة من السديم لا تظهر ما خلفها. الحب هو الوجود. 
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر      حبيبا ولا وافى إليك حبيب 
وقال آخر: 
إذا لم تذق في هذه الدار صبوة     فموتك فيها والحياة بقاء 
 وقال آخر: 
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى      فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار 

الحب بطولة فارسها المحب. وهدفها قلب الحبيب. لا يلد الحب الجبناء. ولا يعترف بهم في مملكته. كل محب فهو بطل بطبعه. لا يخشى الهزيمة. لا يهمه الناس. 
"أعطني جيشا من العشاق وأنا أستطيع قهر العالم" هكذا قال فادروس. 
الحب كائن إنساني بامتياز...
 الحب جرأة، جرأة على الذات...
الحب تعبير. مقاومة للصمت. بدون جرأة يموت الحب جنينا. بدون كلام يحترق الحب في الصدر. لذلك لا مكان للخجل مع الحب. 
وكما قال نزار قباني: 

ليس هناك جسد أنثوي لا يتكلم بطلاقة...
بل هناك رجل 
يجهل أصول الكلام...

بالعفة يسمو الحب. يرفرف في عالم المثل. بعيدا عن مادية الجسد، بالعفة يصير الحب كائنا خالصا. 
الحب حيوي. الحب إبداع. الحب هو الذي يشكل الطين إلى أشكال سماوية جميلة. الحب ينقش كل التماثيل ويكتب كل الأشعار، ويرسم كل اللوحات التي تمجد الجدران...
الحب أمل متجدد لا يفنى، ترقب لا يكل. انتظار لا يمل. بالأمل يعيش الحب، وبالصبر ينمو، وبالتحمل يعيش...


وللحب علامات لا تخطئها العين ولا يصعب كششفها على الخبير ولا الغرير: 
العاشق مكشوف بين الناس، سيماه في وجهه من أثر الشحوب، وفي عينيه من أثر البكاء. 
المحب كثير الشكوى، دائم البكاء. لأن ما به لا يقوى عليه الصدر. فيجد في البوح متنفسه. 
وهو إذ يشكو لا يستثني شيئا، يشكو الحظ، يشكو القدر الذي لم ينصفه، من العيون التي تترصده...
المحب نحيف الجسم رقيقه...
المحب متعلق بالمحبوب، إذا جمعهما مجمع لا يكف عن النظر إليه، ولو بطرف العين...
وإذا ابتعد فهو يتوسل إليه أن يبقى بجانبه أبدا، دون انقطاع...
وإذا عز اللقاء فهو يزور مقامه، يدور فيدور لعل الحبيب يخرج فجأة فتقر العين الطائشة، ويهدأ القلب من الخفقان...
المحب دائم التفكير في حبيبه، لا يكاد يغيب عن باله...
المحب دائم الدهشة في حضرة الحبيب، ممتلئ بالارتباك، مصفر، متصبب عرقا، أخرس، عيي، تضيع منه الكلمات التي أعدها بعناية بالغة...
المحب يتأنق لحبيبه في ملبسه، ويتفنن في مأكله، وتدمث أخلاقه، ويتشجع إن كان جبانا، ويسخو إن كان بخيلا...
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى      ما الحب إلا للحبيب الأول 

وللحب طعم لا يعرفه إلا من تذوقه. هو مزيج من اللذة والألم، من الرضى والسخط، من الصبر والشكوى، من السعادة والشقاء...

قالت أذقت الحب قلت        متيم لي كل آن موعد ولقاء
قالت أيأتي بغثة فأجبتها     قدر علينا قائم وقضاء 
قالت وما معناه قلت         سعادة وطهارة ونقاء 
صفو وإحساس رقيق طيب      يسمو بنا ما اشتدت الظلماء 
تحلو به الأيام تخضر المنى     وبه يذوب الهم والإعياء 

ولأن الحب هكذا، ألم وعذاب وانتظار وأمان بعيدة، تولد من رحمها لذة الحلم باللقاء وانتظار الذي يأتي ولا يأتي. ومع ذلك لا ييأس المحب، ولا يقنط،فهو دائم الرجاء والأمل. 
وزادني كلفا في الحب أن منعت         أحب شيء إلى الإنسان ما منعا 
عذاب الحب لذة، وألمه عافية، وذله عز، وسقمه صحة، هل ترى في الحب غير هذا ؟ 
يحكى أنه لما تمكن الحب من المجنون نصح القوم والده أن يذهب به إلى الكعبة ليتعلق بأستارها ويدعو الله أن يرفع عنه البلاء. فعمل بالنصيحة، وذهب بابنه وقال له: تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى. 
فتعلق بأستار الكعبة، وقال: 
"اللهم زدني لليلى حبا، وبها كلفا، ولا تنسني ذكرها أبدا". 
تلذذ المحب بالألم سر لا يدركه إلا من خبره...كل سير العشاق تقول ذلك.
الوفاء للحبيب سمة الحب الخالص، المحب لا يخون حبيبته، بل لا يقبل بديلا عنها، مهما تمادت في صلفها، وأنانيتها، إنه وفي أبدا... 
الغيرة ملح الحب. لا حب بلا غيرة، الحب نزوع نحو تملك الحبيب، والتفرد به، دون أن يشاركه فيه أحد، والغيرة خوف من هروب الحبيب أو تهريبه. من هنا تنشأ، فتكون مقبولة، ثم تتضخم فتصير مرا لا شفاء له...
الوجه كتاب الحب، فيه يتهجى العاشق كلمات الحب وجمله فتأسره روعتها، ويذوب في بريقها، ويخضع لجاذبيت تنسيقها، فيهتف سبحان الخالق. من العينين تخرج سهام الحب، آه من العينين الساحرتين القاتلتين... النظرة الأولى قاتلة آسرة...
القبلة رحيق الحب المختوم، ومنتهى الآمال، إلى نوالها يطمح كل عاشق، وعلى صهواتها يستريح من هجير المعاناة. ذكرأن أعرابيا سئل مرة: 
أيسرك أن تظفر بمن تحب ؟ 
قال: نعم. 
قيل له: فما كنت تصنع بها ؟ 
قال: أطيع الحب في لثمها، وأعصي الشيطان في إثمها.
حب الرجل متمرد. لا يطاوع الصدر فيغادره إلى الملإ، لذلك لم يخف الشعراء والكتاب حبهم ولا مغامراتهم العاطفية، بينما حب المرأة صامت لا يقو على التمرد. المرأة تخنق حبها بين ضلوعهاـ وتكرهه على البقاء في الصدر. 
                                                                         من قراءتي لكتاب "أروع ما قيل في الحب" عبد الفتاح ديبون بتصرف




هناك 9 تعليقات:

  1. al 7OBO HOWA CHAYAE RAYRE MAWWJOD

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع2 مايو 2013 2:37 م

      أهلا مرحبا بك، أتعتقد ذلك حقا، لولا الحب ما عبد الواحد الأحد، إنه موجود، ابحث عنه وستجده، ليحبك الناس هناك طريقة واحدة فقط، حاول أن تحبهم أنت كذلك...

      حذف
  2. عدت يا شوق لي وعادت لياليك ولكن وجدت قلبا صريعا
    عدت من بعد لوعة أحرقته وجفته على الرماد ضجيعا
    وليال من الفراغ عوات هرأته ثلوجهن صقيعا
    عدت يا شوق! فيم عدت؟ربيع العمر ولى! فهل تعيد الربيعا؟
    علي محمود طه

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع30 سبتمبر 2014 5:12 م

      جميل، شكرا فاطمة على القصيدة... لا إخال قلبك صريعا بل هو حي ومتعطش أيضا...

      حذف
  3. تسائلنى: وهل احببت مثلي
    وكم معشوقة لك أو خليلة؟
    فقلت لها و قد همت بكأسي
    إلى شفتي راحتها النحيلة
    نسيت فما أرى أحببت يوما
    كحبك ـ لا ولم أعرف مثيله
    فقالت لي : جوابك لم يدع لي
    إلى إظهار ما أخفيه حيلة

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع30 سبتمبر 2014 5:15 م

      ما أجمل المشاعر عندما يعبر عنها بالشعر، ترتقي وتصبح أكثر تأثيرا في الآخر... جميل اختيار موفق...

      حذف
    2. ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين يناديني الشوق إليك
      فأبحث عنك في الوجوه
      و أبحث عنك في الاصوات
      وأتوه في المكان
      وأضيع فالزحام
      -------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين يجرفني الحنين نحوك
      فاستنشق عطر أيامك
      وأدفن رأسي في الوسادة
      و أفرد أجنحة الخيال
      و أطير شوقا إليك
      كالحمام
      ----------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين يأخذني المساء إليك
      فأهفوا إلى بقاياك
      كالجائعة
      وأتوسد رسائل عشقك
      و أتعكز عصا انكساري
      وابكيك كالمكابر في
      الظلام..
      -----------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين يطير بي الجنون
      فأقف أمام المرآة
      فأرسم وجهك بأحمر
      الشفاه
      وأتمايل كأغصان الخريف، وأتساقط وحدي
      كالحطام
      ----------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين أمتطي جواد الانتقام
      وأعيش حكايات الحب
      الجميل
      وأبحث عنك في عيونهم
      وأزرع عطرك في أنفاسهم
      وأخلفهم امواتا فوق
      مقصلة الانتقام..
      -----------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين أتلاعب بعجلة
      الزمان
      وأتحول إلى مراهقة
      صغيرة
      وأغزل خيوط الخيال كي
      أراك
      وأصعد قطار الوهم كي
      أصل إليك
      وأشيد بيننا جسرا من
      الأحلام..
      -------------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين أسير في الطرقات
      وحيدة
      وأشعر برغبة في البكاء
      ورغبة في النداء
      وأبحث عن ظلام يسترني
      و وطن يحضن استسلامي
      --------------
      ماذا تعرف عن عذابي؟
      حين أختنق بعيدا عنك
      فأراك في إحساسي
      وأراك في أنفاسي
      و أراك بجانبي
      وأراك حولي
      وأراك أمامي
      :)

      حذف
  4. صدقت يا اسماعيل

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع29 يناير 2015 7:34 ص

      ممتاز... أعجبني كثيرا ما تخطه أناملك الرقيقة.. رقة مشاعرك ورهافة أحاسيسك الجياشة... هو الحب لا يبقي ولا يذر.. أعيى الشعراء والأدباء والكتاب، فعجزت أقلامهم وانكسرت أمامه انكسار قلوبهم أمام معشوقاتهم ومعبوداتهم..
      دمت قلبا نابضا بالمحبة فائضا..

      حذف