الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

تحليل مبسط لقصيدة "غرفة الشاعر" لعلي محمود طه

في سياق التحولات التي عرفها الشعر العربي الحديث تماشيا مع الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بالمشرق العربي، تولد عند ثلة متميزة من شعراء التجديد الوعي بأن وقوف شعراء البعث والإحياء عند حدود تقليد القدماء شكلا ومضمونا، من شأنه أن يسقط الشعر في مهاوي التصنع والتصنيع، ويعود به إلى أتون التكرار والجمود. واستجابة لهذا الوعي تولدت لدى أولئك الشعراء رؤية جديدة إلى الأشياء والإنسان والحياة، فانتظموا في عدة مدارس أدبية ، منها مدرسة "أبولو" التي تبنت الاتجاه الرومانسي إطارا ومرجعا لنظم الشعر، من خلال الاحتفاء بالذات والوجدان، والتطلع إلى عالم آخر من عوالم الطبيعة أو الخيال أو الموت... ويعتبر علي محمود طه، من أبرز شعراء هذه المدرسة، بحيث جاء شعره تجسيدا لتأملاته الخاصة عن الطبيعة والوجود، إلى جانب شعراء آخرين مثل أحمد زكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي...فإلى أي حد حافظت القصيدة موضوع التحليل على هذا النموذج ؟ وما مدى تمثيليتها لخطاب سؤال الذات عموما ؟
   الملاحظة البصرية الخارجية للنص تكشف على أنه يبدو مخالفا لما ألفناه في القصيدة العمودية على مستوى شكله الهندسي، فقصيدة "غرفة الشاعر" اعتمدت نظام المقاطع، ونوعت في الأرواء (الكاف، القاف، الباء) وهي ولاشك، ملامح تجديدية في الشعر العربي الحديث.
أما عنوان النص فيوحي دلاليا بدلالات عديدة، حيث لفظة "غرفة" تحيل إلى مكان مخصوص، يوحي بالعزلة والخلود إلى ما يخالج الذات. وهذا ما جعلها مرتبطة بذات الشاعر بقرينة الإضافة، مما يوحي بأن الشاعر يقدم حالة أو لحظة زمنية عاشها في غرفته، مصورا ما ينتابه من مشاعر وأحاسيس وجدانية. وهذا دليل على أن القصيدة تدخل فعلا ضمن تجربة سؤال الذات.
   إن قراءة النص تكشف على أن علي محمد طه يصور لنا حالته النفسية ونظرته للحياة وموقفه منها، حيث استهل قصيدته بتصوير حالته النفسية والجسمية التي أصبح عليها بفعل التفكير والسهاد. حالة سيتولد عنها استغراق الشاعر في همومه وأفكاره في انقطاع تام عن العالم الخارجي، ولاشك أن هذا الانقطاع عن العالم الخارجي ما هو إلا مظهر من مظاهر الكآبة والأسى التي جناها الشاعر من أفكاره وهمومه، في الأخير يقتنع الشاعر بأن الدنيا فانية لا تستحق كل هذه المعاناة، ويدعو نفسه إلى الخلود للنوم والراحة.
في ضوء هذه المضامين، نقف على جملة من المؤشرات النصية، منها: تعدد ضمائر المخاطب في النص (الكئيب، غارقا، رأسك، جفونك، أذبلت لست...)،  وإن كانت كلها حقيقة دالة على نفسية الشاعر، مما أفرز نوعا من التطابق الكلي بين المتكلم في النص ومخاطبه. أما المعجم فقد جاء معبرا عن التيار الذاتي الرومانسي، حيث زاوج الشاعر بين ألفاظ وعبارات دالة على الذات الشاعرة ( الكئيب، الحزين، السهد، الأسى، ارتعاش، شجونك، أحزانك...)، وألفاظ دالة على الطبيعة الخلاص والمنقذ (الليل، حر، الرعد، الإبراق، الدجى، نهار، الخريف...)، كما يحضر الحقل الدال على الغرفة كذلك ( السكون، السراج، ضوء شاحب، الموقد، الصمت...)، ولا يخفى علينا من خلال هذه الحقول الحضور القوي للحزن، مما يعني أنه عنصر مهيمن على نفسية الشاعر، في توحد تام مع عناصر الطبيعة وما يرتبط بها من أزمنة وأمكنة (الليل، الحزن والكآبة، عتمة الغرفة).
   خدمة لهذه المضامين الشعرية اختار علي محمود طه صورا شعرية موغلة في التخيل، مقارنة مع الصور التقليدية في الشعر القديم، حيث أنسنة الطبيعة والانزياح، من قبيل قوله مثلا: (قد تمشى خلال غرفتك الصمت...) الواردة في البيت السادس، والمجاز في الييت الثالث (يد تمسك اليراع...) أطلق الكل وأراد الجزء، فالأنامل هي التي تمسك القلم، (ليس يحنو الدجى عليك...) في البيت 12، إذ شبه الشاعر الدجى بإنسان له أحاسيس ومشاعر فحذف المشبه به ورمز إليه بالحنو،... وبالرجوع إلى المقطع الأول، بشكل كلي نكتشف أنه مشهد يصور الحالة النفسية الحزينة لشاعرنا طه.
   أما من حيث الأساليب فقد جمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، فالأول استعان به للإخبار عن حالته النفسية ومعاناته، مثل (مسلما رأسك / يد تمسك اليراع / أذبلت جفونك...)، أما الثاني فيرتبط بانفعالات الشاعر والرغبة في البوح، من ذلك قوله: (أيها الشاعر الكئيب، آه يا شاعري، هلا فرغت من أحزانك ؟، فقم الآن...).
   وبالعودة إلى إيقاع القصيدة الخارجي، نجد الشاعر بناها على وزن بحر الخفيف (فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن 2)،وقد التزم فيه الشاعر بالعروض الصحيحة والضرب مثلها، كما نوع في القافية بما يتماشى ودفقته الشعورية وتجربته الشعرية، فهي قافية مطلقة حينا، ومقيدة حينا آخر، في محاولة للتحرر من الشكل التقليدي، وتصوير شدة المعاناة، ساعد على ذلك تكراره لبعض الحروف بعينها (أرواء القصيدة، اللام، السين..) على المستوى الداخلي للقصيدة، وهي كلها حروف تمتح من معين الكآبة،، كما تكررت كلمات بالترادف (شجونك، أحزانك / الصمت، السكون / ناضب، ذابل...)، وتوازت الصيغ الصرفية، مثل: (جبين،أنين / طروب، خطوب...)وبعض الصيغ التركيبية ( مازلت غارقا في شجونك، مازلت سادرا في مكانك). ومن المؤكد أن كلا من التكرار والتوازي، قد أديا في هذه القصيدة، فضلا عن الوظيفة الجمالية، وظيفة تعبيرية، حيث تصوير وتأكيد التوتر النفسي للشاعر داخل الغرفة رفقة اليراع.
   صفوة القول، يمكن اعتبار هذه القصيدة من النماذج الشعرية التي تعكس بعمق مضامين خطاب سؤال الذات لدى علي محمود طه، حيث أحدث فيها انزياحا عن أصول القصيدة الكلاسيكية، شكلا ومضمونا، ووصولا إلى المعجم اللغوي الذي يغترف من مألوف الألفاظ ومأثورها، والصور الشعرية التي نزعت نحو الخيال والأنسنة، مما يؤكد بحق، ريادة جماعة "أبولو"، تيار الشاعر، في ترسيخ التيار الذاتي الرومانسي في الشعر العربي الحديث.

هناك 56 تعليقًا:

  1. السلام عليكم نشكركم على التحليل مبسط ونتمنى لكم مزيدا من نجاح

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على هذا التحليل المفيد

      حذف
  2. اسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبراكاته انا اشكركم على هدا التحليلي" الرائع" والمبسط

    ردحذف
  3. شكرا على هدا تحليل

    ردحذف
  4. شكرا على هدا تحليل

    ردحذف
  5. شكراعلى هده المعلومات

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع17 نوفمبر، 2012 2:56 ص

      مرحبا على الرحب والسعة

      حذف
  6. شكرااااااااا

    ردحذف
  7. اسماعيل عبد الرفيع5 ديسمبر، 2012 3:11 م

    لا شكر على واجب

    ردحذف
  8. اسماعيل عبد الرفيع9 ديسمبر، 2012 2:23 م

    بعد السلام، تحية أدبية ملؤها المودة والرحمة والاحترام لكل من مر من هنا وترك بصمته، على أمل أن يستمر التواصل والحوار...

    ردحذف
  9. thank you very much

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع20 يناير، 2013 6:06 ص

      على الرحب والسعة، مرحبا بك على الدوام، أتمنى ان تكون قد استفدت، محبتي وتقديري الخالصين...

      حذف
    2. ARE U SURE THIS IS ENUGH

      حذف
    3. i have an exam about it and i want to know if this information are enough

      حذف
    4. helloooooooo

      حذف
    5. اسماعيل عبد الرفيع5 يونيو، 2013 4:28 ص

      بع السلام مرحبا بك، من الناحية المنهجية ربما التحليل حاول احترام أهم عناصر التحليل، أما فيما يتعلق بالمضمون، فهذا غير ملزم لأنه فهمي الخاص للقصيدة، قد تغيب عني أشياء أخرى لم أستطع فهمها، وفهمتمها أنت، لذلك فالمضمون نسبي، ولكن المنهجية أقول ربما استحضرت أهم شروط التحليل... أتمنى لك التوفيق...

      حذف
  10. ززززززززززززززززززززززززززززززززززززززز

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع23 مايو، 2013 6:47 ص

      مرحبا بك في المدونة، أهي شعرية البياض ؟

      حذف
  11. merciiiiiiiiii bzaaaaff

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع3 يونيو، 2013 7:51 ص

      لا شكر على واجب، وشكرا على مرورك من هنا...

      حذف
  12. الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع10 يونيو، 2013 10:25 ص

      بعد السلام مرحبا بك على الدوام... وفقكم الله للخير...

      حذف
  13. السلام عليكم.اشكركم على هده الالتفاتة الطيبة

    ردحذف
    الردود
    1. لا شكر على واجب مرحبا بك على الدوام

      حذف
  14. طارق بنعياد24 أكتوبر، 2013 11:41 ص

    بعد السلام ...اشكر كل من مر من هنا اتمنى لكم النجاح والاستمرار

    ردحذف
    الردود
    1. بعد السلام، مرحبا بك طارق بنعياد، واجبنا تدليل الصعوبات التي تعترض التلاميذ في مشوارهم الدراسي خاصة الباكالوريا، أملي أن تكون قد استفدت، وشكرا على مرورك من هنا

      حذف
  15. من حيث المقدمة والتحليل او العرض استوفيا جميع الشروط المنهجية اما الخاتمة فهي مركزة جدا واتت فقط بالحكم الخاص وتجاهلت الحكم العام

    ردحذف
    الردود
    1. بعد السلام تحية أدبية عالية على مرورك من هنا وملاحظاتك القيمة، صحيح هنالك تغييب للحكم العام، لا ندعي الإحاطة يكل شيء، لكننا حاولنا ما أمكن، مراعين في الآن ذاته مساعدة المتعلمين المبتدئين، أما القراء المنفتحين على تجارب أخرى فلهم الحرية الكاملة في التعامل مع النص شريطةعدم أفراغه من محتواه الأدبي

      حذف
  16. ممكن شرح للقصيده ومعرفة مواطن الجمال اللى فيها ؟

    ردحذف
    الردود
    1. بعد السلام تحية أدبية ومرحبا بك صديق جديدا للمدونة
      إليك القصيدة أولا
      غرفة الشاعر
      أيّها الشاعر الكئيب مضى اللّيـ ـل و مازلت غارقا في شجونك
      مسلما رأسك الحزين إلى الفكـ ـر و للسّهد ذابلات جفونك
      و يد تمسك اليراع و أخرى في ارتعاش تمرّ فوق جبينك
      وفمّ ناضب به حرّ أنفا سك يطغى على ضعيف أنينك
      لست تصغي لقاصف الرّعد في اللّيـ ـل و لا يزدهيك في الإبراق
      قد تمشّى خلال غرفتك الصّمـ ـت و دبّ السّكون في الأعماق
      غير هذا السّراج في ضوئه الشّا حب يهفو عليك من إشفاق
      و بقايا النّيران في الموقد الذّا بل تبكي الحياة في الأرماق

      ***
      أنت أذبلت بالأسى قلبك الغضّ و حطّمت من رقيق كيانك
      آه يا شاعري لقد نصل اللّيـ ـل و مازلت سادرا في مكانك
      ليس يحنو الدّجى عليك ولا يأ سى لتلك الدموع في أجفانك
      ما وراء السّهاد في ليلك الدّا جي و هلاّ فرغت من أحزانك؟

      ***
      فقم الآن من مكانك و اغنم في الكلاى غطّة الخليّ الطروب
      و التمس في الفراش دفئا ينسّـ ـك نهار الأسى و ليل الخطوب
      لست تجزي من الحياة بما حمّـ ـلت فيها من الضّنى و الشّحوب
      إنّها للمجون و الختل و الزيـ ـف و ليست للشّاعر الموهوب!

      حذف
    2. شرح:
      الكئيب : الحزين / شجونك: أحزانك وهمومك / ذابلات: من الذبول نقول وردة ذابلة، أي مشرفة على الموت والأجفان تذبل إذا كانت مثقلة بالنعاس وهذه إشارة إلى الإرهاق والتعب الذي يشعر به الشاعر / الجفون: جفون العين، أي طرفاها / اليراع: القلم / ناضب: جاف / أنينك: صوت المريض دلالة على المرض / تصغي : تسمع / قاصف: صوت / يزدهيك: يعجبك يؤثر فيك / الإبراق: اللمعان والضوء / دب: تمشى وتحرك وانتشر / السراج: المصباح أو القنديل / الشاحب: الخافت / يهفو: يشفق ويحن / الأرماق: رمق بقية حياة أي أنه شارف على الموت / الغض: الطري الشاب / كيانك: شخصيتك وآدميتك / نصل: انقضى وأشرف على النهاية / سادرا: باقيا تعاني / يحنو: يهفو ويشفق ويأسى / السهاد: السهر والأرق / الداجي: المظلم / الكرى: النوم / الخلي الطروب: المنتشي بالنوم اللذة المرتاح / التمس: ابحث / الخطوب: المشاكل والآلام / تجزى: من الجزاء تكافأ / الضنى: الهم والمعاناة / الشحوب: تغير لون الجسد اصفرار نتيجة المرض / المجون: الفسق والفجور / الختل : الخداع / الزيف: الغش والمكر والخديعة / الموهوب: الفنان المبدع المتميز عن غيره...

      حذف
    3. مواطن الجمال :
      - المخاطب في القصيدة هو الشاعر نفسه، هذه طريقة جميلة ومميزة في التعبير حوار مع الذات (المونولوج) حيث كشف عن مشاعره بطريقة جذابة وكأنه يخاطب شاعرا آخر، بينما هو المتحدث والمخاطب في الوقت نفسه.
      - جمالية التصوير الدقيق حيث صور لنا الشاعر نفسه داخل الغرفة وقربنا بشكل كبير من معاناته، لقد جعلنا نتخيله أمامنا بفضل الصورة الشعرية (التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية)
      - تأمل البيت السادس ولاحظ كيف أنسن الشاعر الصمت والسكون وجعلهما يتحركان ويسيطران على الغرفة لتبيان حجم المعاناة، ناهيك عن جعل الشاعر مكونات الغرفة الأخرى من نار وسراج تتضامن مع الشاعر إشفاقا عليه، فالسراج ضوؤه شاحب، والنار في طريقها للإنطفاء شفقة على الشاعر المتألم في صمت والذي لم يرحمه الليل بسواده المدلهم (رمز للفناء) /التوحد بين الذات والمكان الانصهار
      - القصيدة مبينية على جدلية وصراع السكون مع الحركة ............

      حذف
    4. شكرا على الرد والاهتمام

      حذف
  17. الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع16 مارس، 2014 7:31 ص

      بعد السلام، مرحبا بك على الدوام
      تسرنا خدمتك، وزيارتك تفرحنا

      حذف
  18. اشكركم جزيل الشكر على هدا التحليل المفيد

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع21 أكتوبر، 2014 4:07 ص

      بعد السلام، العفو.. مرحبا بك على الدوام، هدفنا الإفادة والاستفادة..

      حذف
  19. Merci infiniment

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع5 نوفمبر، 2014 10:56 ص

      العفو... مرحبا بك على الدوام... هذه البوابة مفتوحة أمام الجميع...

      حذف
  20. جزاك الله خيرا أخي الفاضل حقا هذا تحليل مفيد شكرا لك على هذا المجهود القيم

    ردحذف
    الردود
    1. اسماعيل عبد الرفيع13 ديسمبر، 2014 12:32 م

      العفو، هذا واجب...

      حذف
  21. thanks for this information
    God be with you
    thanks

    ردحذف
  22. شكرااااا جزيلا لك جزاك الله الخير

    ردحذف
    الردود
    1. بعد السلام مرحبا بكم صديقا للمدونة زيارتكم تسرنا

      حذف
  23. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  24. استفدت كثيرا بارك الله فيك و جعلها في ميزان حسناتك

    ردحذف
    الردود
    1. آيمن يارب العالمين شكرا ومرحبا بك على الدوام

      حذف
    2. أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف
  25. شكرا جزيلا

    الى اي منهجية تنتمي هذه القصيدة و شكرا

    ردحذف
    الردود
    1. ماذا تقصدين بالمنهجية
      أخالك تقصدين التيار
      هو تيار أو مدرسة الرومانسية

      حذف