الجمعة، 3 مايو 2013

-كيف نُحلِّل نصّا إبداعيّا نثريّا؟



يمرُّ تشريحُ النّص النثريّ الإبداعي قصّةً كان أو مسرحية عبر الخطوات التّالية:
+تقديم عام نتناول فيه تعريفا بفن القصة أو المسرحية وخصائصهما ، وسياقهما التاريخي وأسباب ظهورهما في الأدب العربي ، مع الإشارة إلى رواد كل فنّ على حدَة وتخصيص الحديث عن صاحب النّص وإسهامه في تطوير الجنس الذي يمثّله ، ثمّ نمرّ إلى دراسة العنوان وصياغة الفرضية اعتمادا على دلالات العنوان وشكل النص وبعض المؤشرات الدالّة، لنفترض بعد ذلك نوعية النّصّ (قصة أو مسرحية) وموضوعه أي الفكرة التي ستدور رحاهُ حولها؛
+فهم النّص: ونجرد فيه المتنَ الحكائيّ ونكتشف معناه ونكثّفُ أحداثه في فقرة مركّزة ، مع استنتاج طبيعة الموضوع المتطرّق إليه (واقعي،اجتماعي...) 
+تحليل النّص:
-جرْد الشخصيات الرئيسية والثّانوية ، وتعيينُ صفاتها الجسميّة والنّفسيّة والفكرية ، والوقوف على القيم والأنساق الفكرية التي تمثّلها كل شخصية على حدة؛ كما قد ندرُس البنية العاملية ووظائفها حسب المطلوب ؛
-دراسة الزّمن من خلال تحديد طبيعته: أهو متصاعد أم متقطّع يعتمد على الاسترجاع والاستباق ، مع تعيين اللحظة الزمنية التي ركّز عليها الكاتب ،والتفريق بين الزمن الواقعي والزمن النّفسيّ...
-تحديد الفضاء المكاني الذي دارت فيه القصة وتحركت فيه الشخوص ودلالتُه؛
-طرقُ الحكي المعتمدة : ونتطرق فيها إلى السّرد من خلال الرؤية السردية المعتمدة ووظائف السّارد وعلاقته بالشّخصيات، وإلى الحوار وأنواعه ودلالته ودوره ، والوصف ووظائفه.. 
-دراسة الخطاطة السّردية:من خلال وضعيات القصة أو المسرحية (استهلال ،عقدة ،حلّ)، والإشارة إلى نوعِ البداية ونوع النّهاية والعلاقةِ بينهما، دون أن ننسى وظيفة الخطاطةِ السّردية وأثرِها الجماليّ...
-الصّراع الدرامي: وهو خاص بالمسرحية ، وفيه نرصُد الصّراع بين القوى الفاعلة بمختلف أنواعهِ (فكري، اجتماعي،طبقي،قيمي: بين الخير والشر،نفسيّ...) وكيف يُسهم في نماء الأحداث وتطوُّرها ...
-الإرشادات المسرحية :وتخصُّ المسرحيّة، حيث نجرُد بعضها مبيِّنين وظائفها في علاقتها بالمخرج والممثل والقارئ ، وأثرها الجماليّ...
+تركيب النص: استخلاص النّتائج وبيان مقصدية الكاتب ورهانه من سرده للقصة أو المسرحية (انتقاد ،كشف ...)، والأساليب الفنية الموظفة لذلك، ومدى نجاح الكاتب فيما كتبه، ثمّ التثبّت من صحّة الفرضية المطروحة آنفا ، مع إمكانية انفتاح التّحليل على إشكالية جديدة.
                                                                                                       سعيد بكور 

الاثنين، 15 أبريل 2013

محاولة مبسطة لتحليل نص الواقع الاجتماعي في الشعر لمحمد عويس محمد



   يتأطر النص الذي بين أيدينا ضمن النصوص الأدبية التي يتم فيها تطبيق المنهج الاجتماعي، هذا المنهج الذي يولي أهمية كبرى للعلاقة بين الأديب ومرجعه الواقعي الاجتماعي، حيث يقارب الأدب من خلال ربطه بخلفياته الاجتماعية والتاريخية، ويستند في مرجعيته إلى نظريتين: الماركسية والوضعية. ظهر هذا المنهج في العالم العربي أواسط القرن التاسع عشر، ومن رواده طه حسين، ونجيب العوفي، وصاحب هذا النص محمد عويس محمد، الذي استفاد من خبرته في الأجناس الأدبية فاختار المنهج الاجتماعي ليسائل الظاهرة الأدبية. إذن، ما طبيعة الواقع الاجتماعي في شعر حافظ وشوقي من منظور الناقد؟  وإلى أي حد يمثل نصه هذا مقومات المنهج الاجتماعي شكلا ومحتوى؟
   تقودنا ملاحظة العنوان وبداية النص ونهايته إلى افتراض كون الناقد بصدد التأكيد على العلاقة الجدلية النسبية بين الشعراء وواقعهم الاجتماعي، والتمثيل لهذه العلاقة بتجربة حافظ وشوقي في رؤيتهما للواقع الاجتماعي المصري.
   افتراض تدعمه القراءة المتأنية للنص، فالناقد ينطلق منذ بداية النص من قاعدة سوسيولوجية واضحة، مفادها أن الشاعر في علاقة جدلية بواقعه الاجتماعي، وهي علاقة تأثير وتأثر نسبية تختلف من شاعر لآخر، مثل لها الناقد بالاختلاف الواضح بين الشاعرين الكبيرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، في رؤيتهما للواقع المصري الذي عاشا فيه، فرؤية شوقي للواقع الاجتماعي المصري جاءت محكومة برؤية التاريخ المصري القائمة على صورة الوجدان والكيان المعنوي كاتجاه لحل المشكلة المصرية بالعلم والأخلاق، أكثر من التركيز على صورة المكان الاجتماعي المصري، ولهذا وجه شوقي، يؤكد الناقد، دعوته إلى إصلاح الزراعة والصناعة والتجارة، قائلا:
أين التجارة وهي مضمار الغنى؟     أين الصناعة وهي وجه عنانه؟
أين الزراعة في جنان تحتكم         كخمائل الفردوس أو كجنانه؟
بينما حامت رؤية حافظ إبراهيم للمشكلة المصرية على فهم طبيعة الواقع ومشاكله لإصلاح السياسة الاجتماعية وربط العلم بخصوصيات هذا الواقع ومشاكله، بهدف إصلاح المجتمع وتجاوز مظاهر التخلف فيه، وفي هذا السياق جاءت دعوته للمرأة المصرية للثورة على التقاليد البالية واقتحام مجالات العمل المختلفة إلى جانب الرجل، حيث يقول:
وهذي بنات النيل يعملن للنهى        ويغرسن غرسا داني الثمرات
   إن هذا الاختلاف في رؤية الشاعرين راجع حسب محمد عويس محمد إلى اختلاف بيئة الشاعرين، فحافظ إبراهيم كان محكوما في رؤيته بمعاناة الشعب المصري ورغبته في تحريك هذا الشعب ليكون في حجم تطلعاته وموفعه من الحضارة الإنسانية، على خلاف أحمد شوقي الذي عاش حياة مترفة مستقرة، فجاءت رؤيته هادئة تحتفي بصورة التاريخ وتخاطب عقول المصريين عوض وجدانهم، مركزة على العلم والأخلاق. ومن هنا يتضح – في رأي الناقد – ارتباط الشاعرين بواقعهما المصري، وإن اختلفا في المضامين الاجتماعية التي عبرا عنها في شعرهما.
   لتقريب وتوضيح هذه الفكرة استعان الناقد بمجموعة من مفاهيم المنهج الاجتماعي وأهمها: (العلاقة الجدلية بين الأدب والواقع الاجتماعي، والرؤية الاجتماعية، والمضمون الاجتماعي، والوعي الكائن، والوعي الممكن،...)، وهي تبرز تطلعات الشاعر ورؤيته لواقعه الاجتماعي الممكن، وهي نتيجة اعتمد الناقد في بنائها مسلكا استنباطيا، إذ انطلق من تصور عام، تمثل في التأكيد على العلاقة الجدلية بين الشاعر وواقعه الاجتماعي ونسبية هذه العلاقة، لينتقل إلى استخلاص مجموعة من النتائج الجزئية المترتبة عن هذا التصور العام. وهو بناء منح النص النقدي طابعا إقناعيا أسهمت في تحقيقه أيضا أساليب الحجاج المختلفة التي توسل بها الناقد، مثل: الحكم بتأثر الشاعر بالواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه، والاستشهاد، من خلال الاستشهاد بشعر كل من حافظ وشوقي، والإحالة المقامية "كشف عيوب الحياة المصرية، فساد الزراعة والصناعة"، والتفسير كما في قوله شارحا تأثر الشاعر بواقعه الاجتماعي: (وهذا التأثير أو التأثر نسبي يختلف من شاعر إلى آخر)، بالإضافة إلى الموازنة حيث نجده يقارن بين نظرة شوقي وحافظ للواقع المصري، ناهيك عن التأكيد عند حديثه عن شوقي مثلا:(فإن ما نعم به من حياة مترفة جعل نبض مصر عنده مستقرا)، والتكرار (أما، الواقع الاجتماعي، الشاعر، المشكلة، مصر، المضمون،...). أما فيما يتعلق بلغة النص فهي لغة تقريرية إخبارية مباشرة، تميزت بالاتساق والانسجام، بفضل أليات الاتساق الموظفة، كأسماء الإشارة (هذا، هذه، ذلك...)، والضمائر(هو، هي، نحن، ...)، وحروف العطف (الواو، لعل، الفاء، أي...).
   صفوة القول إن الناقد محمد عويس محمد تمكن من الكشف عن نسبة العلاقة القائمة بين الشاعر وواقعه الاجتماعي، من خلال شعر حافظ وشوقي وفق المنهج الاجتماعي ومفاهيمه، معتمدا، لأجل توضيح هذه العلاقة، على ثلة من الوسائل الأسلوبية واللغوية أبرزها الاستنباط، منحت النص اتساقا وتماسكا، بل مكنت أطروحة الناقد من امتلاك قدرة إقناعية واضحة، وهو ما يجعلنا نؤكد على أن الدراسة نموذج نقي هام لتوظيف المنهج الاجتماعي في مقاربة الظاهرة الأدبية.


السبت، 9 مارس 2013

تحليل مبسط لنص قصصي لتلامذة الباكالوريا

   يتأطر النص الذي بين أيدينا ضمن فن القصة، وهو فن أدبي نثري حديث، عرف تطورا مهما في العصر الحديث عند العرب، وذلك نتيجة لمجموعة من العوامل الداخلية، كمحاولة الكتاب العرب إيجاد شكل جديد يساعدهم على التعبير عن واقعهم، رغبة منهم في الإسهام التغيير، وعوامل خارجية، ارتبطت بالدرجة الأولى بتأثر العرب بالغرب، نتيجة الاستعمار والاحتكاك الثقافي. وقد مثل الفن القصصي في العالم العربي مجموعة من الكتاب المبدعين، كنجيب محفوظ، وأحمد بوزفور، ومحمد إبراهيم بوعلو، وعبد المجيد بن جلون صاحب النص الذي بين أيدينتا، بعنوان "الصياد والبحر"، وبناء على هذا العنوان نتساءل:
ما موضوع النص ؟  وهل استوفى خصائص فن القصة ؟






النص:
                                                                  الصياد والبحر
    كان الصيد عنده رياضة وهواية قبل أن يكون مهنة، ولذلك لم يكن يهتم بنتيجته بقدر ما كان يهتم بفنه، وكانت نفسه تزداد طربا وتنتشي كلما اشتبكت الأمواج وتلاطمت من حوله وقد أشرف على الستين من عمره، ولكنه ما يزال يصارعها كما كان يفعل في سن الثلاثين، وليست له صلة بالأرض ولا بالحوادث التي انتابتها أثناء هذه السنوات الطويلة، ولكنه لا يعرف عنها شيئا بالرغم مما سمع عنها.
    وما زالت الحوادث تنتاب مراكش إلى أن بدأت تقترب من الشاطئ الجميل وقد قيل له: إن الأرض تتغير فلم يكن يخطر بباله ـن هذا التغير سوف يشمل الشاطئ أيضا، ولكن هذا ما حدث، فقد رأى جماعة من الناس يبنون ثم رأى قوارب كثيرة تصل إلى الشاطئ فسولت له نفسه أن يقترب من المكان ليرى ما حدث. لقد رأى جيشا من الصيادين في أسطول من القوارب يستعدون للروع في الصيد. وأخيرا قال لنفسه: ليفعلوا فإن من حق البحر أن يكثر فيه الناس كما كثروا في الأرض، على أن الأمر لم يكن بسيطا إلى الدرجة التي كان يتصورها فقد حدث أن رجع ذات يوم من الصيد منشرح النفس على عادته وجمع أسماكه في انتظار الرجل الذي سوف يحملها إلى السوق، إذ أبصر إلى جانبه رجلين فقام إليهما باشا ليرحب بهما... ولكن أحدهما بادره بهذا السؤال:

- إنه يقول لك - وأشار إلى الشخص الثاني - ماذا تفعل هنا ؟
- هذا سؤال غريب من زائر جديد، من أين جاء هذا الرجل ؟
- هذا الرجل هو صاحب هذا الشاطئ وهذا البحر. فنظر إليه عباس الصياد نظرة عادية فاستفسر:
- ماذا تعني ؟
- ألم تفهم ؟ هذه الأرض وذلك البحر ملك لهذا الرجل ولا يجوز لك الصيد هنا مرة أخرى.
- فتضايق عباس وقال: هيا، قل ما تريد أن تقول، علكما تريدان أن أعطيكما سمكا.
- ألا تعرف اللغة العربية ؟ لا يجوز لك أن تصيد هنا مرة أخرى.
فتضايق عباس وهو يضع راحته على كتف الرجل، ولكن الرجل زحزحها في جد وهو يقول: إذا لم ترحل خلال يوم واحد، فسوف نحطم قاربك ونطردك من هنا.
   كانت دهشته عظيمة عندما أقبل إليه أحدهما وقصد الآخر القارب وشرع يحطمه كما قال بالأمس فأسرع إليه ليمنعه ولكن الرجل دفعه في وجهه، فرد عليه عباس بضربة ألقته على ظهره مشلولا.
تكاثر عليه الصيادون الفرنسيون، وألقي عليه القبض وقضى بعد ذلك في السجن ستة شهور لأنه تجاسر على منع السادة من تحطيم قاربه. ولكن هذا كله مضى الآن، لقد خرج من السجن وهو لا يستطيع العودة إلى البحر لأنه لا يمكل قاربا، ولا يأمن أصحاب البحر الجدد.
   واعتاد بعد ذلك أن يسعى كل يوم إلى الشاطئ إلى أن يبلغ مكانا يرف منه على الصيادين الجدد بعد أن أصبحت الصلة الوحيدة التي تربطه بالحياة هي ذكرياته في البحر، كان يجلس ليسترجع الحوادث ويتخيل الماضي ويعيش بين أشباح الأمواج.
ثم فتر الحماس الذي كان يوحيه إليه البحر وهو راكبه، ودبت اليخوخة في أوصاله بعد أن تعطل عن العغمل وانقطع عن ركوب البحر وحطم بدنه السجن، وعرا عضلاته الكسل وقد باعدت الأيام بينه وبين مصارعة الأمواج، وسعت المآسي والحسرات بعباس الصياد إلى أرذل العمر سريعا، لكنه استيقظ ذات ليلة من ليالي الشتاء وهو يشعر بالآلام تمزقه وبالنهاية تقترب إليه قليلا قليلا، فعزم عزما رهيبا فدخل البحر وظل يتقدم إلى أن وجد نفسه بين قوارب الصيد الفرنسية فدلف إلى أحدها وبدأ يدفعه بكتفه ويتعلق به... وأخيرا استطاع أن ينزل فيه بعد جهد جهيد...
   وبدأت الأمواج تهدهده، ثم تتقاذفه، فأحس رجل البحر القديم بالمشاعر نفسها التي كان يحس بها حينما كان يركب البحر المائج في أيامه الذهبية، وبرقت عيناه فرحا واغتباطا ونسي ما قاساه في أيمه الأخيرة.
                                                 وادي الدماء، عبد المجيد بن جلون، دار الثقافة - ط2، 1987، ص: 41 وما بعدها، بتصرف.

الخميس، 7 مارس 2013

فكر بغيرك


فكر بغيرك 

وأَنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّرْ بغيركَ
لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ
وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ
وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
مَنْ يرضَعُون الغمامْ
وأَنتَ تعودُ إلى البيت ، بيِتكَ، فكِّرْ بغيركَ
لا تنس شعب الخيامْ
وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيركَ
ثَمَّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات،فكِّرْ بغيركَ
مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ
وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّرْ بنفسك
قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلام

                     من روائع محمود درويش مهداة إلى زوار الصفحة

الأربعاء، 6 مارس 2013

بوح الفؤاد


   صرخ الزوج بصوت مرتفع دوى في السماء وقد اغرورقت عيناه، تذكري أني أحبك وقد أحببتك دائما… ومن يحب لا يستسلم أبدا…
امتقعت وارتعدت وتأهبت أكثر لإلقاء نفسها من النافذة، كانت كلبؤة تزأر في قفص حريري، توزع نظراتها بينه وبين الشارع الذي بدا في عينيها ملاذا وخلاصا ينتظرها بفارغ الصبر.
حاول الاقتراب منها أكثر، لكنها منعته من ذلك، صرخت بأعلى صوتها:
- إن اقتربت أكثر سألقي بنفسي من النافذة.
تسمر الزوج في مكانه، ابتلع ريقه، وانتفخت أوداجه، مد ذراعيه إليها مبتهلا ومتوسلا، في محاولة منه لثنيها عن غيها.
نظرت إليه نظرة ملؤها الحزن والأسى، وتمتمت:
- أنا أعلم فعلا أنك تحبني، لكني لست المرأة التي تستحق حبك، لقد عجزت عن إسعادك، عجزت عن منحك ما كنت تحلم به، أنا لا أستطيع إنجاب طفل لك، أنا لا أصلح لشيء… لا أصلح لشيء…
قاطعها قائلا :
- لكني أحبك كما أنت، هكذا. ومن قال إني أريد طفلا منك؟
ردت بصوت مرتفع وهي تكفكف دموعها:
- كاذب، كاذب، كاذب…كعادتك دائما تظهر ما لا تخفي، ليس هناك رجل في الكون لا يراوده إحساس الأبوة، عبثا حاولت إخفاء ذلك عني، لكن عينيك تكذبان ذلك كلما لمحت أطفالا صغارا يلعبون في الشارع.
قاطعها قائلا:
- وما ذنبكِ أنتِ في ذلك. تلك مشيئة الله، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، اهدئي وتعقلي…
- ما سأفعله هو عين العقل، يجب أن أضع حدا لمعاناتك، لقد أخطأتَ العنوان. لا تزال شابا حاول أن تبدأ حياة جديدة، فأمامك الكثير من الوقت… يصعب علي أن أراك في أحضان امرأة أخرى لذا فكرت أنه يتحتم علي أن أنسل من حياتك، ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريقة، إنه الحل الأمثل لكلانا… وداعا يا حبيبي وداعا…
- لا لا لا…
حاول إنقاذها لكن الوقت كان قد فات…حبيبته أصبحت من الماضي. ست سنوات من العشرة تتحول في لحظة وجيزة إلى كابوس، ذكرى أليمة، ظلت تسكنه، يعيشها في كل دقيقة من حياته، يشعر معها بالدوخة والأسى.
كان يضع على وجهه قناعا ليكون الأسى أنكى وأبقى…
لم يكن يقدر معنى الحزن و الوحدة إذا اجتمعا في سكون الليل البهيم…
تساءل مرارا: ما فائدة الحياة بعدها ؟ أكان ما جرى قدرا محتوما، أم تهورا مذموما؟
عب بطريقة هستيرية من زجاجة النبيذ التي أصبحت لا تفارق يمناه، حاول أن ينام لكنه لم يسطع ذلك، فصورتها تملأ المكان، إنه يراها في كل زاوية من أرجاء البيت، في السرير، في الحمام، في المطبخ، في الحديقة، تطل عليه من التلفاز، من النافذة المشؤومة…
ذات مساء وهو جالس بغرفته وحيدا يحتسي نبيذه، ويتأمل حياته، يسترجع ذكريات الماضي ويعيشها مرة أخرى، خيل إليه أنه يسمع صوتا يناديه من بعيد، صوت مألوف بالنسبة له، تحسس مصدر الصوت، لكن الصوت يبتعد كلما اقترب منه…ظل يتعقب مصدره إلى أن ألقى بنفسه من تلك النافذة، وهو يردد سميعا دعوتِ، سميعا دعوتِ
                                                                                                                                          اسماعيل عبد الرفيع 

الجمعة، 1 فبراير 2013

السي العربي



تأبط "السي العربي" القفة وقفل مسرعا ناحية السوق، حتى لا تراه زوجه فتثقل كاهله بمتطلباتها التي لا تنقضي... لكنه ما فتئ يخطو خطوات حتى سمع صوت "فطومة"، تصرخ ملء حنجرتها:
- ما تنساش تخلص الضو أو تجيب معاك الصندلا لـ"زهور"...
تلقى السي العربي نداءاتها بغضب شديد إذ استدار ورفع يده اليمنى وضرب بها الهواء في نوع من اللامبالاة. واصل طريقه مشتت الذهن، يتحسس بين الفينة والأخرى ورقة نقدية من فئة 50 درها في جيبه هي كل ما يملكه...يطوي الطريق وأفكار كثيرة تتسارع في ذهنه، ثارة يحدث نفسه، وثارة يضحك ليبين عن أسنان صدئة مهشمة بفعل التدخين، نعم يضحك على نفسه، فأربعة أفواه تترقب عودته من السوق بفارغ الصبر ...كم هي الحياة صعبة وقاسية، لو كان يعلم أن الزواج هكذا ما تزوج قط، ولظل أعزبا مثل صديقه "حمو"، هو الآن مرتاح لا ينتظره أحد ولا ينتظر أحدا، لا زوجة تثقل كاهله ليلا ونهارا، ولا أولاد يصرخون في وجهه صباح مساء...لكنه الحب نعم الحب، إنه يذكر كيف كان يترصدها في كل مكان، في الأزقة والطرقات، في المناسبات والبساتين، ليحظى بنظرة من عينيها العسليتين، يذكر كيف كان يتطوع لسقي بساتين "باعلال" أب "فطومة" ويتطلع بفارغ الصبر لوجبتي الفطور والغذاء التي كانت تحملهما له "فطومة"...
وما حب الطعام شغف قلبه       ولكن حب من يحمل الطعاما

آه من تلك الأيام، لم يكن يعلم أن "فطومة" هذه، وكما كانت سببا في سعادته وإقباله على الحياة، ستكون في يوم من الأيام سببا في شقائه وتعاسته. ظل شارد الذهن إلى أن صدمه حمار محمل بطحين وسكر، كان هو وصاحبه راجعين من السوق، ارتعش "السي العربي"، وصرخ في وجه الحمار، لم يدرك في البداية أنه يخاطب حيوانا أبكم، ظل يصرخ، يسب ويلعن، وينفض جلبابه المرقع، أما الحمار فقد واصل طريقه غير آبه بـ"السي العربي"...
تناهى إلى أذنيه الحادتين صوت البائعين عبر مكبرات الصوت، وهم يغرون الزبناء لإلقاء نظرة على سلعهم:
- البخور البخور، بخور ليلة 27، ها الجاوي المكاوي...
- ِركلام ِركلام قرٍب أُوشٌوف اللي ما شرا يتنزه، كلشي 10 دراهم...
- هادوَا الفيران هادوَا الطوبا هادوَا سراق الزيت...
- مطشة 50 أخيزو 60 أوجوج كيلو بـ 100 قرب قبل مايسالي...
اقترب “السي العربي“ أكثر، وبدا له السوق بحرا لجيا يغشاه الناس. توقف قليلا ليستريح تحت ظل شجرة وارف، لكن الروائح الكريهة المنبعثة من المكان، عجلت برحيله، ليواصل السير... استوقفه رجل طاعن السن، رث الثياب، مشقق القدمين، باسطا يده:
- شي صدقة يا وليدي الله إقضي غراضك، الله ارحم بها الوالدين.
رق لحاله، تخيل نفسه مكان هذا الرجل، إلى جانبه فطومة وأبناؤه الأربعة في حالة مزرية، تجعل المارين يتحاشون النظر إليهم، ناهيك عن مساعدتهم... ماذا عساه يفعل فلا فرق بينه وبين هذا الرجل إلا أنه صابر، ولولا أنه يخاف أن تمس كرامته ويخدش كبرياؤه، لمد يده هو الآخر إلى الناس، يستجديهم...اعتذر للرجل برفق، وقد رفع كفيه قائلا:
- الله اسهل آلواليد...
فكر أن يستجير بظل مقهى صديقه “فويتح“، من حر الشمس ولهيبها، إلى أن يسترجع أنفاسه، فتداعت إلى ذهنه في تلك اللحظة صورة “فويتح“ عابسا يمسح الطاولة بعنف، لا يخلصها منه إلا طلب زبون هناك، لذلك استبعد هذه الفكرة، فهي مكلفة.
  اندس وسط الزحام والأمواج البشرية الباحثة عن لقمة العيش، برقبته المشرئبة، ينافح بمنكبيه وراحتيه الغليظتين...نأى بنفسه ناحية الجزارين بعدما أحس بالاختناق، ندت عنه آهة حرى، حاول استنشاق الهواء. تحسس جيبه الأيمن بحركة سريعة، حملق فارغا فاه، وسقط مغشيا عليه... 
بقلم اسماعيل ايت عبد الرفيع
المغرب / زاكورة
 تلمي، قيادة أمسمرير  10/04/2010

الثلاثاء، 15 يناير 2013

المصير

دقَّ الجرس، ودَخَل التلاميذ إلى القسم؛ مثنى، وثلاث، ورباع.
جلس سعيد إلى جانب زميله وصديقه الحميم أيوب في المقْعد المخَصَّص لهما، تأهَّبا معًا لبداية الحصَّة الدراسية، وضَعَ كلٌّ منهما مُقرر اللغة العربية والدفتر والأقلام على الطاولة في صمْتٍ ينم عن احترام وإجلالٍ كبيرَيْن للأستاذ والمادة، الصمت مُطبق على القاعة، لا تكاد تسمع إلا طنين نَحْلة تائهة، أو ذباب عابث، يُحاول اختراق النافذة، أو حط الرحال على أرنبة أحد الكسالى المصارع للنعاس، فصباحات الشتاء بردُها قارص!
بعد بُرهة دخَل الأستاذ، حيَّا تلاميذه الذين وقفوا في حركةٍ سريعة احترامًا له، تقدَّم تجاه مكتبه طالبًا منهم في الوقت نفسِه الجلوس، سحَب كرسيَّه وَوَضَع محفظته الضخمة على المكتب، وتأهَّب هو الآخر لبداية المحاضرة، إذ ارتدى وزرته البيضاء، وشمَّر عنْ ساعديه في مُحاولةٍ منه لإضفاء الجدِّيَّة على الحصة كعادته، أمَّا التلاميذ فقد شدَّت أنظارهم إليه في ترقُّب واهتمام بالغَيْن، بدافع الخوف أو الفُضُول.

كسر الأستاذُ الصمْت المخيم على المكان حين أخذ بين أنامله الرقيقة "طبشورًا" أبيض، وتقدَّم صوب السبورة، يخطُّ تاريخ اليوم وعنوان الدرس بعدما طلَب مِن تلامذته نَحْت ذلك على دفاترهم، بينا هو يخط على السبورة بخطٍّ جميلٍ يغري على المحاكاة، حدَث ما لَم يكنْ في الحسبان، هوت السبورة بقوة على الأستاذ فأردتْه صريعًا، تفجَّر الدم في كل اتجاه، صرخ الفتيان، وقفوا خائفين مذْهولين، لا يلوون على شيء، أما سعيد فقد هبَّ للنجدة كحيَّة كوبرا تنقضُّ على فريستها، حاول بجسمه الغض الصغير انتشال أستاذه المغمى عليه من تحت كتلة الخشب، حاول وحاول لكنه لَم يُفلحْ، صرخ بملْء فيه طالبًا المساعدة مِن زملائه، انطلقوا كالحمْقَى في كل مكان لا يدرون ما يفعلون، فمنظر الدم زلْزَلَ كيانهم، وأصابهم بذُعْر شديدٍ، لمع في مُخيلتهم الصغيرة مشهدٌ ألفوه في محطة المسافرين القريبة من المؤسسة: قنينة بلاستيك مهشَّمة بين عجلات حافلة كبيرة، استطاعوا بعد جُهْدٍ جهيدٍ رؤية وجْه أستاذهم المهَشَّم والملطَّخ بالدِّماء، لقد تَمَكَّنوا من إزاحة السبورة جانبًا، انسابتْ دُمُوع سعيد بغزارة محاولاً إيقاظ أستاذه، كان كمَنْ ينفخ في رماد، فنداءاتُه المتكررة باءتْ بالفشل، ضاعتْ وسط نحيب زملائه.

وصل المديرُ ومساعدوه، لَم يُصدقوا ما رأتْه أعينهم، اقتربوا أكثر، تحسس المديرُ جثة الأستاذ الممدة أمامه على الأرض، وضع يده اليمنى على رقبته، ورفع بيده اليسرى يد الأستاذ عاليًا، فانسلتْ بين أنامله كورقة صفراء تسقط مِنْ أعلى الشجرة في الخريف، فاضتْ عيناه، ذرف دموعًا حارة، ومرر يده على محيَّا زميل الأمس، جال بنظراته بين التلاميذ، تراءتْ له بينهم صورة زوجته، وهي تنتظر عودته بفارغ الصبر، ماذا عساه يقول لها؟! أسئلة كثيرة تتعارَك في ذِهْنه، تبحث لها عن أجْوبة، ربت أحدُ مساعديه على كتفه، فاستعاد رُشده وطلب من التلاميذ مغادرة القاعة لكنهم أبوا وتلكؤوا، إنهم متشبِّثون بقدوتهم بمعلمهم وأستاذهم الحبيب، لكن المديرَ انتهرهم بشِدَّة، فتدخل سعيد قائلاً: • ألن يستيقظ الآن؟
• رمقه المدير في وُجُوم، أخرج منديلاً مِنْ جيبه، مسَح دُمُوعه، وتَمْتَمَ بنبرةٍ ملؤها الحُزن والأسى: بلى يا بني سيستيقظ يومًا، لكن نومه سيطول.