الجمعة، 1 فبراير 2013

السي العربي



تأبط "السي العربي" القفة وقفل مسرعا ناحية السوق، حتى لا تراه زوجه فتثقل كاهله بمتطلباتها التي لا تنقضي... لكنه ما فتئ يخطو خطوات حتى سمع صوت "فطومة"، تصرخ ملء حنجرتها:
- ما تنساش تخلص الضو أو تجيب معاك الصندلا لـ"زهور"...
تلقى السي العربي نداءاتها بغضب شديد إذ استدار ورفع يده اليمنى وضرب بها الهواء في نوع من اللامبالاة. واصل طريقه مشتت الذهن، يتحسس بين الفينة والأخرى ورقة نقدية من فئة 50 درها في جيبه هي كل ما يملكه...يطوي الطريق وأفكار كثيرة تتسارع في ذهنه، ثارة يحدث نفسه، وثارة يضحك ليبين عن أسنان صدئة مهشمة بفعل التدخين، نعم يضحك على نفسه، فأربعة أفواه تترقب عودته من السوق بفارغ الصبر ...كم هي الحياة صعبة وقاسية، لو كان يعلم أن الزواج هكذا ما تزوج قط، ولظل أعزبا مثل صديقه "حمو"، هو الآن مرتاح لا ينتظره أحد ولا ينتظر أحدا، لا زوجة تثقل كاهله ليلا ونهارا، ولا أولاد يصرخون في وجهه صباح مساء...لكنه الحب نعم الحب، إنه يذكر كيف كان يترصدها في كل مكان، في الأزقة والطرقات، في المناسبات والبساتين، ليحظى بنظرة من عينيها العسليتين، يذكر كيف كان يتطوع لسقي بساتين "باعلال" أب "فطومة" ويتطلع بفارغ الصبر لوجبتي الفطور والغذاء التي كانت تحملهما له "فطومة"...
وما حب الطعام شغف قلبه       ولكن حب من يحمل الطعاما

آه من تلك الأيام، لم يكن يعلم أن "فطومة" هذه، وكما كانت سببا في سعادته وإقباله على الحياة، ستكون في يوم من الأيام سببا في شقائه وتعاسته. ظل شارد الذهن إلى أن صدمه حمار محمل بطحين وسكر، كان هو وصاحبه راجعين من السوق، ارتعش "السي العربي"، وصرخ في وجه الحمار، لم يدرك في البداية أنه يخاطب حيوانا أبكم، ظل يصرخ، يسب ويلعن، وينفض جلبابه المرقع، أما الحمار فقد واصل طريقه غير آبه بـ"السي العربي"...
تناهى إلى أذنيه الحادتين صوت البائعين عبر مكبرات الصوت، وهم يغرون الزبناء لإلقاء نظرة على سلعهم:
- البخور البخور، بخور ليلة 27، ها الجاوي المكاوي...
- ِركلام ِركلام قرٍب أُوشٌوف اللي ما شرا يتنزه، كلشي 10 دراهم...
- هادوَا الفيران هادوَا الطوبا هادوَا سراق الزيت...
- مطشة 50 أخيزو 60 أوجوج كيلو بـ 100 قرب قبل مايسالي...
اقترب “السي العربي“ أكثر، وبدا له السوق بحرا لجيا يغشاه الناس. توقف قليلا ليستريح تحت ظل شجرة وارف، لكن الروائح الكريهة المنبعثة من المكان، عجلت برحيله، ليواصل السير... استوقفه رجل طاعن السن، رث الثياب، مشقق القدمين، باسطا يده:
- شي صدقة يا وليدي الله إقضي غراضك، الله ارحم بها الوالدين.
رق لحاله، تخيل نفسه مكان هذا الرجل، إلى جانبه فطومة وأبناؤه الأربعة في حالة مزرية، تجعل المارين يتحاشون النظر إليهم، ناهيك عن مساعدتهم... ماذا عساه يفعل فلا فرق بينه وبين هذا الرجل إلا أنه صابر، ولولا أنه يخاف أن تمس كرامته ويخدش كبرياؤه، لمد يده هو الآخر إلى الناس، يستجديهم...اعتذر للرجل برفق، وقد رفع كفيه قائلا:
- الله اسهل آلواليد...
فكر أن يستجير بظل مقهى صديقه “فويتح“، من حر الشمس ولهيبها، إلى أن يسترجع أنفاسه، فتداعت إلى ذهنه في تلك اللحظة صورة “فويتح“ عابسا يمسح الطاولة بعنف، لا يخلصها منه إلا طلب زبون هناك، لذلك استبعد هذه الفكرة، فهي مكلفة.
  اندس وسط الزحام والأمواج البشرية الباحثة عن لقمة العيش، برقبته المشرئبة، ينافح بمنكبيه وراحتيه الغليظتين...نأى بنفسه ناحية الجزارين بعدما أحس بالاختناق، ندت عنه آهة حرى، حاول استنشاق الهواء. تحسس جيبه الأيمن بحركة سريعة، حملق فارغا فاه، وسقط مغشيا عليه... 
بقلم اسماعيل ايت عبد الرفيع
المغرب / زاكورة
 تلمي، قيادة أمسمرير  10/04/2010

الثلاثاء، 15 يناير 2013

المصير

دقَّ الجرس، ودَخَل التلاميذ إلى القسم؛ مثنى، وثلاث، ورباع.
جلس سعيد إلى جانب زميله وصديقه الحميم أيوب في المقْعد المخَصَّص لهما، تأهَّبا معًا لبداية الحصَّة الدراسية، وضَعَ كلٌّ منهما مُقرر اللغة العربية والدفتر والأقلام على الطاولة في صمْتٍ ينم عن احترام وإجلالٍ كبيرَيْن للأستاذ والمادة، الصمت مُطبق على القاعة، لا تكاد تسمع إلا طنين نَحْلة تائهة، أو ذباب عابث، يُحاول اختراق النافذة، أو حط الرحال على أرنبة أحد الكسالى المصارع للنعاس، فصباحات الشتاء بردُها قارص!
بعد بُرهة دخَل الأستاذ، حيَّا تلاميذه الذين وقفوا في حركةٍ سريعة احترامًا له، تقدَّم تجاه مكتبه طالبًا منهم في الوقت نفسِه الجلوس، سحَب كرسيَّه وَوَضَع محفظته الضخمة على المكتب، وتأهَّب هو الآخر لبداية المحاضرة، إذ ارتدى وزرته البيضاء، وشمَّر عنْ ساعديه في مُحاولةٍ منه لإضفاء الجدِّيَّة على الحصة كعادته، أمَّا التلاميذ فقد شدَّت أنظارهم إليه في ترقُّب واهتمام بالغَيْن، بدافع الخوف أو الفُضُول.

كسر الأستاذُ الصمْت المخيم على المكان حين أخذ بين أنامله الرقيقة "طبشورًا" أبيض، وتقدَّم صوب السبورة، يخطُّ تاريخ اليوم وعنوان الدرس بعدما طلَب مِن تلامذته نَحْت ذلك على دفاترهم، بينا هو يخط على السبورة بخطٍّ جميلٍ يغري على المحاكاة، حدَث ما لَم يكنْ في الحسبان، هوت السبورة بقوة على الأستاذ فأردتْه صريعًا، تفجَّر الدم في كل اتجاه، صرخ الفتيان، وقفوا خائفين مذْهولين، لا يلوون على شيء، أما سعيد فقد هبَّ للنجدة كحيَّة كوبرا تنقضُّ على فريستها، حاول بجسمه الغض الصغير انتشال أستاذه المغمى عليه من تحت كتلة الخشب، حاول وحاول لكنه لَم يُفلحْ، صرخ بملْء فيه طالبًا المساعدة مِن زملائه، انطلقوا كالحمْقَى في كل مكان لا يدرون ما يفعلون، فمنظر الدم زلْزَلَ كيانهم، وأصابهم بذُعْر شديدٍ، لمع في مُخيلتهم الصغيرة مشهدٌ ألفوه في محطة المسافرين القريبة من المؤسسة: قنينة بلاستيك مهشَّمة بين عجلات حافلة كبيرة، استطاعوا بعد جُهْدٍ جهيدٍ رؤية وجْه أستاذهم المهَشَّم والملطَّخ بالدِّماء، لقد تَمَكَّنوا من إزاحة السبورة جانبًا، انسابتْ دُمُوع سعيد بغزارة محاولاً إيقاظ أستاذه، كان كمَنْ ينفخ في رماد، فنداءاتُه المتكررة باءتْ بالفشل، ضاعتْ وسط نحيب زملائه.

وصل المديرُ ومساعدوه، لَم يُصدقوا ما رأتْه أعينهم، اقتربوا أكثر، تحسس المديرُ جثة الأستاذ الممدة أمامه على الأرض، وضع يده اليمنى على رقبته، ورفع بيده اليسرى يد الأستاذ عاليًا، فانسلتْ بين أنامله كورقة صفراء تسقط مِنْ أعلى الشجرة في الخريف، فاضتْ عيناه، ذرف دموعًا حارة، ومرر يده على محيَّا زميل الأمس، جال بنظراته بين التلاميذ، تراءتْ له بينهم صورة زوجته، وهي تنتظر عودته بفارغ الصبر، ماذا عساه يقول لها؟! أسئلة كثيرة تتعارَك في ذِهْنه، تبحث لها عن أجْوبة، ربت أحدُ مساعديه على كتفه، فاستعاد رُشده وطلب من التلاميذ مغادرة القاعة لكنهم أبوا وتلكؤوا، إنهم متشبِّثون بقدوتهم بمعلمهم وأستاذهم الحبيب، لكن المديرَ انتهرهم بشِدَّة، فتدخل سعيد قائلاً: • ألن يستيقظ الآن؟
• رمقه المدير في وُجُوم، أخرج منديلاً مِنْ جيبه، مسَح دُمُوعه، وتَمْتَمَ بنبرةٍ ملؤها الحُزن والأسى: بلى يا بني سيستيقظ يومًا، لكن نومه سيطول.

السبت، 15 ديسمبر 2012

كابوس

أسلم رأسه للوسادة وحاول أن ينام، بعدما أحكم إغلاق نوافذ الحجرة والباب، إنه يحس بتعب شديد، رجلاه متوردتان بفعل كثرة المشي، لم يترك مؤسسة ولا شركة إلا وطرق بابها دون جدوى، بحثه المستمر عن عمل يضمن له البقاء أجهده، شاخ قبل الأوان، أفكار كثيرة تتعارك في ذهنه... فتح عينيه المفتوحتين، ظلام الحجرة دامس لم يسطع النوم، ماذا عساه يفعل في مجتمع لا يرحم، مجتمع لا يعترف بالشواهد ولا السواعد... تمطى كحية تتلظى من حر الرمال وأفرج عن تنهيدة حرى... دس وجهه في الوسادة وحاول أن يتناسى همومه ولو حتى حين، لكنه لم يستطع... أضاء نور الحجرة واتجه صوب مكتبه في ركن الغرفة، تناول جريدته وحاول أن يطالع عناوينها الكبرى، عله يظفر بمراده، لكن صراخ ابن الجيران الصغير يطرق آذانه، لقد أطلق العنان لعويله، إنه يصرخ كلما أحس بالجوع، هو الآخر لم يجد من يهتم لأمره، أمه تعود من عملها متأخرة ومرهقة، فتنام نومة اللحود...ضل يحملق في الجريدة دون أن يعي شيئا، يفرك عينيه الحمراوين، ويقلب صفحاتها إلى أن سمع صوت المؤذن ينادي لصلاة الصبح، فطواها وألقى بها على المكتب، وكأنه كان ينتظر من يخلصه منها. توضأ وارتدى جلبابه الصوفي البني ليقيه زمهرير البرد، وقفل باتجاه المسجد بخطوات بطيئة، وكله أمل في غد مشرق...
اسماعيل ايت عبد الرفيع / أكدز. المغرب

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

هل للشباب دور حتى يشارك...؟


   يكتسي الشباب أهمية بالغة داخل المجتمع باعتباره الركيزة والدعامة الأساس لأي مجتمع إنساني، مكانة تبوبها الشباب بفعل قدرتهم الكبيرة على التأثير في المجتمع إن سلبا أو إيجابا، ما يحتم على المجتمع التعامل مع هذه الفئة معاملة خاصة بهدف احتوائها ومساعدتها على الاندماج والعطاء، وكذا تسخير قدراتها ومؤهلاتها لخدمة الصالح العام..ما يدل على أن العلاقة بين الشباب والمجتمع علاقة تأثيرية تأثرية مبنية على التواصل الفعال، لهذا نلاحظ أن المجتمعات التي لا تبوئ فئة الشباب المكانة اللائقة بها تتخبط في مشاكل جمة تعيق توازنها وتقدمها، والمجتمع المغربي واحد من هذه المجتمعات التي لم تحسن الاستفادة من هذه الثروة البشرية الهائلة التي حباه الله بها، حيث إن ما يزيد على ثلثي شبابه يرزح تحت آفة البطالة، البطالة التي ما فشت في مجتمع من المجتمعات إلا أخلت بتوازنه وعجلت بتقهقره وفنائه. لكن إعمال النظر في هذا الغول المسمى بالبطالة ما دام أنه أبرز مظهر من مظاهر اختلال توازن المجتمع المغربي يدفعنا للتساؤل عن المسؤول الحقيقي عنه، فهل المجتمع هو المسؤول الأول والوحيد عن هذا المشكل ؟ أم أن الشباب الفئة المعنية بالضبط هي المسؤولة عن ذلك ؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين أطراف هذه المعادلة ؟
   في الحقيقة لا أحد ينكر أن المجتمع هو المسؤول الأول عن تفشي ظاهرة البطالة بين أفراده، لأنه لم يبادر إلى اتخاذ الإجراءات والاحتياطات اللازمة لتفادي الوقوع في أحضان البطالة المترصدة، من ذلك مثلا: نهج سياسة تشغيلية تراعي العرض والطلب،الحرص على جلب استثمارات خارجية، بناء مؤسسات اقتصادية تساهم في توفير مناصب شغل تكون في متناول الجميع. لكن أيكون المجتمع بهذا قد وفق في القضاء على البطالة ؟
لاشك أن المجتمع في هذه الحالة يكون قد قام بدوره وواجبه، إلا أن هذا لا يعفي الشباب من التجاوب مع هذه المبادرة – إن هي حصلت فعلا نحن نفترض فقط -، معنى ذلك أن هناك مسؤولية ملقاة على عاتق الشباب للمساهمة بشكل إيجابي في القضاء والتغلب على مشكل البطالة. فكيف يمكن للشباب أن يكونوا فاعلين ومساهمين إلى جانب مجهودات المجتمع في الخروج والتملص من بوثقة البطالة التي لا تحمد عقباها ؟
أغلب شباب المجتمع المغربي ينظر إلى الواقع نظرة سوداوية تشاؤمية تحول دون مشاركته في صنع القرار، نظرة قد تدفع به أحيانا إلى التفكير في التخلي عن الوطن والبحث عن بديل كالهجرة إلى الخارج مثلا، أو العيش في العالم الآخر، عالم اللاوعي، عالم المخدرات والكحول، العالم المثالي – في نظرهم طبعا – ظنا منهم أن من شأن هذا التخفيف من عبئ وتبعات البطالة، بل أكثر من ذلك إنهم يعتبرون هذا هو الحل الأمثل والأنسب وما هو بذلك !
   إن مشكل البطالة مشكل قائم والمجتمع واقع يقتضي من الشباب المواجهة والمشاركة فيه قصد إيجاد وسائل وسبل من شأنها التخفيف أو القضاء الفعلي على هذه الآفة بدل الفرار والخوف من مواجهتها باللجوء إلى العالم الآخر. إن أول خطوة مساعدة للتغلب على مشكل البطالة هي ضرورة تغيير هذه الرؤية السوداوية التي ينظر بها الشباب إلى المجتمع، لابد من إزالة تلك النظارات السوداء التي نداري بها الشمس ونحجب بها أنفسنا عن رؤية الواقع الحقيقي بدل الوهم، صحيح أن ذلك ليس بالأمر الهين لكنه ضروري يقتضي منا المحاولة، والمحاولة إذا كانت مبنية على رغبة وإرادة صادقة، وعزيمة قوية تفتت الحجر وتفجر من الأرض عيونا، لابد أن تثمر وتؤتي ثمارها إن عاجلا أم آجلا، إن الشعور بالداء والإحساس به يساعد على تشخيصه، وتشخيص الداء نصف علاجه، فإذا كان شبابنا يرغب رغبة أكيدة نابعة عن إحساس بالمسؤولية فلا أحد ولا قوة على وجه الأرض تستطيع منعه من ذلك، لأن بهذه الطريقة تذلل الصعاب وتهون، وكل صعب على الشباب يهون كما قيل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، إذ لولا رغبة وعزيمة أولئك الفتيان ما تم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراده، وكفانا فخرا أنه عليه الصلاة والسلام نصر بالشباب. ويبقى التشبث بالأمل والحياة وطرد الأفكار السوداوية منبع ورافد الرغبة والعزيمة، ولا داعي لربط مصيرنا بمصير الآخرين عن طريق الحكم الافتراضي بوحدة المصير، فلكل مصيره ورزقه، وإلا فنحن نتعارض مع النظام الإلهي الكوني، فلنقل جميعا لا للإحباط والانهيار، الذي لن نجني من ورائه إلا الأمراض النفسية المثبطة للمعنويات.
   بعد ذلك يأتي التكوين وما أدراك ما التكوين، لأنه العدة والعتاد، فشبح البطالة عدو شرس، والتغلب على العدو يقتضي خوض معركة، والظفر بالمعركة رهين بمدى تطور ونجاعة أسلحة المحارب، لهذا فالتكوين الجيد هو العدة والزاد الذي به نستطيع التغلب على ظاهرة البطالة، والحديث عن التكوين يجرنا للحديث عن الكفاءة المهنية، فالتكوين هدفه الأساس جعل الإنسان يمتلك قدرات ومؤهلات خاصة تساعده على أداء مهمة وعمل ما بشكل ناجح، إننا ونحن نتحدث عن الكفاءة لا نقصد بها التدرج في حصد الشواهد، قد تكون الشواهد عاملا مهما ومساعدا على امتلاك كفاءة محددة في مجال معين لأنها مرآة تعكس صورة صاحبها، إلا أن المرآة لا تكون صادقة دائما، وإلا فما معنى أن نجد شبابا حاصلين على الإجازة في الأدب العربي مثلا لا يحسنون التحدث والتواصل باللغة العربية الفصحى، بله كتابة طلب عمل، وقس على ذلك باقي التخصصات، وما معنى كذلك أن نجد نجارا أو بناء يتقن عمله دون امتلاك شهادة مهنية تؤهله لمزاولة هذا العمل. ما يدل على أن الشهادة ليست كل شيء، بل المزية للتكوين الذاتي والحرص على اكتساب التجارب وتنمية القدرات والمهارات الشخصية، لأن كل فرد لا شك يمتلك قدرات خاصة خفية أو جلية تتطلب شيئا من الصقل والدربة، وذلك لا يتأتى إلا بطبيعة نظرتنا للعمل التي تقتضي النظر إليه نظرة حب، فالعمل عبادة كما ينص على ذلك ديننا الحنيف، وكلما استشعر الإنسان وأحس بهذه المسؤولية تفانى وأخلص في عمله وأجاد. إن الاعتماد على النفس واتخاذ الأسباب وإيمان الشباب بقدراتهم ومؤهلاتهم الخاصة عنصر أساس وضروري لتحقيق الأهداف المسطرة سلفا، والتغلب على مشكل البطالة واحد من هذه الأهداف التي يجب أن يعتمد فيها الشباب على أنفسهم أولا لأنها مشكلتهم قبل أن تكون مشكلة الآخرين، لدى لا يجب أن ينتظروا من الآخر أن يعد ويقدم لهم حلولا – وإن كان ذلك من واجباته – بل يجب عليهم أن يسعوا ويبادروا بأنفسهم لإيجاد الحل الأمثل والأنسب لهم، لأن في ذلك حلاوة وإحساس بقيمة الهدف بعد نيله وتحقيقه، كما أن فيه نوعا من الإحساس بالذاتية التي تفتح الشهية للحياة، وطبيعي أن إصابة الهدف – الذي هو دائما هنا القضاء على البطالة – يتطلب من الشباب وضع برامج وتسطير خطط كفيلة بتحقيق ذلك، ووضع البرامج غير مجد إن لم يكن مصحوبا بأفعال تكون على شكل خطوات ومراحل تجزيئية، ليس بالضرورة أن تؤتي أكلها في القريب العاجل بل يكفي أنها ستنتج، أما من لم يكن له برنامج واضح في الحياة فهو ضمنيا في برنامج الآخرين، وهنا منبع الخطورة، إذ كيف يعقل أن نترك للزمن والآخر كامل الصلاحيات لرسم الخطوط العريضة لحياتنا، إن هذا لهو الحمق بعينيه، أين هي شخصيتنا وحريتنا في الحياة إن لم نستطع أو نعرف بل نحسن اختيار الطريق الأنسب لنا لتحقيق ذواتنا.
   معشر الشباب إن الضبابية التي تلف حياتنا من مختلف الجوانب، عائق كبير يجب تخطيه، ويكفي في هذه النقطة أن تسأل أي شاب مغربي عن مخططه وهدفه في الحياة لتكتشف أن الغموض والضبابية سيد الموقف، فلا أهداف ولا برامج مسطرة، بل الشكوى على كل لسان، وكأن مشاكل العالم كله يحملها الشباب فقط، يجب أن لا ننسى أن المشاكل هي التي تعطي للحياة طعما خاصا، فالعيش بدون مشكلة مشكلة أصلا، مع ذلك يتوجب على الشباب رسم خطوط عريضة ومعالم واضحة مسبوقة بنية صادقة لحياتهم.
   يبقى عامل آخر له دخل كبير في تنامي ظاهرة البطالة وسط الشباب، إنه ربط الدراسة بالوظيفة، فالشباب لا يرون في الدراسة إلا وسيلة ضرورية تمكنهم من الحصول على منصب شغل، قد تكون كذلك فعلا، لكن يجب أن لا يكون هذا هو الهدف الأساس والمبتغى من وراء الدراسة، لأن الدراسة لا تكون دائما وسيلة بل يجب أن ينظر إليها على أنها هدف في حد ذاته قبل كل شيء، أي الدراسة من أجل التعلم والعلم والمعرفة بعد ذلك تأتي الوظيفة. أغلب الشباب اليوم من حاملي الشواهد العليا أ الأساسية لم يسبق لهم أن زاولوا مهنة موازية أثناء حياتهم أو مشوارهم الدراسي، عكس ما نشاهده في الدول الأوربية مثلا التي تكون فيها الدراسة نشاطا من الأنشطة اليومية المتعددة للطالب، فالطالب في المجتمعات الأوربية سلاح ذو حدين، أما في مجتمعنا المغربي فبالكاد يكون ذا حد واحد الذي هو الدراسة، والواقع يشهد على ذلك. مما يجعلهم أكثر عرضة للاصطدام بشبح البطالة بعد التخرج مباشرة، والشباب في هذه الحالة يكون كالمرأة الطاعنة في السن في تراثنا الشعبي “المرا إلى كبرات ما تعرف تغني ما تعرف تزغرد”، لا أقصد التقليل من قيمة المرأة أو الشباب، فلكل منهما مكانته الخاصة، لكنها الحقيقة المرة.
    خلاصة القول إن تنامي ظاهرة البطالة في مجتمعنا المغربي مسؤولية الجميع، إنها مشتركة بين أطياف المجتمع ككل، لأن كل طرف لم يقم بواجبه المنوط به، لدى لا نلق اللوم على أحد دون الآخر، وقبل أن نحاسب الآخر لابد من محاسبة أنفسنا أولا، فماذا قدمنا لمجتمعنا حتى نحاسبه وننتظر منه التغيير “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، أنا لا أعاتب الشباب بقدر ما تنتابني حرقة عليهم، لأنهم زهرة الدنيا وركيزة المستقل، ولعل في التضامن والتكافل والرغبة في التغيير بين أطياف المجتمع ومكوناته ككل الحل الأمثل للخروج من الأزمة والآفة الاجتماعية الخطيرة. ومهما كان ظلام الليلي دامسا فلابد أن يسطع ضوء الصباح.
واشنو بغينا من هاد الدنيا غير السلامة وراحت البال.
                                                                                                                      شامان

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

أنا وابني

قال لي ابني وهو حيران بما يحكى ويقرا
كيف كان الله إني قد وجدت الله سرا؟
أسمع الناس يقولون به خيرا وشرا
فأفدني, قلت: يا ابني أنا مثل الناس طرا
لي في الصحة آراء وفي العلة أخرى
كلما زحزحت سترا خلتني أسدل سترا
لست أدري منط بالأمر ولا غيري أدرى

أحسب الله الذي صاغ منم الذرات صخرا
والذي شاء فصارت قطرات الماء بحرا
والذي شاء فم البحر أصدافا ودرا
وأراد الضوء أجرا ما فصار الضوء زهرا
إن هذا الله لما شاء هذا كان "فكرا"

ثم لما نظم الألوان في الأرض زهورا
ورأى أن يعلن الحبب غناء وحبورا
فتمشى في حواشي الأرض سحرا وعطورا
وتهادى في حواشي الأفق أطيافا ونورا
عندما أوجد هذا كان "حسا وشعورا"

من أحب الله جبارا وفتاكا وقاهر
فأنا أهواه رساما، وفنانا، وساحر
وأراهخ في الندى والزهر والهب السوافر
فإذا الأنجم غارت وانطوت كل الأزاهر
وتلاشى كل ما أنشأ وسوى من مناظر
لاح لي في حسنه الأكمل في "ديوان اعر"
                                                                                         أنا وابني إيليا أبو ماضي

تحليل مبسط لقصيدة "غرفة الشاعر" لعلي محمود طه

في سياق التحولات التي عرفها الشعر العربي الحديث تماشيا مع الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بالمشرق العربي، تولد عند ثلة متميزة من شعراء التجديد الوعي بأن وقوف شعراء البعث والإحياء عند حدود تقليد القدماء شكلا ومضمونا، من شأنه أن يسقط الشعر في مهاوي التصنع والتصنيع، ويعود به إلى أتون التكرار والجمود. واستجابة لهذا الوعي تولدت لدى أولئك الشعراء رؤية جديدة إلى الأشياء والإنسان والحياة، فانتظموا في عدة مدارس أدبية ، منها مدرسة "أبولو" التي تبنت الاتجاه الرومانسي إطارا ومرجعا لنظم الشعر، من خلال الاحتفاء بالذات والوجدان، والتطلع إلى عالم آخر من عوالم الطبيعة أو الخيال أو الموت... ويعتبر علي محمود طه، من أبرز شعراء هذه المدرسة، بحيث جاء شعره تجسيدا لتأملاته الخاصة عن الطبيعة والوجود، إلى جانب شعراء آخرين مثل أحمد زكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي...فإلى أي حد حافظت القصيدة موضوع التحليل على هذا النموذج ؟ وما مدى تمثيليتها لخطاب سؤال الذات عموما ؟
   الملاحظة البصرية الخارجية للنص تكشف على أنه يبدو مخالفا لما ألفناه في القصيدة العمودية على مستوى شكله الهندسي، فقصيدة "غرفة الشاعر" اعتمدت نظام المقاطع، ونوعت في الأرواء (الكاف، القاف، الباء) وهي ولاشك، ملامح تجديدية في الشعر العربي الحديث.
أما عنوان النص فيوحي دلاليا بدلالات عديدة، حيث لفظة "غرفة" تحيل إلى مكان مخصوص، يوحي بالعزلة والخلود إلى ما يخالج الذات. وهذا ما جعلها مرتبطة بذات الشاعر بقرينة الإضافة، مما يوحي بأن الشاعر يقدم حالة أو لحظة زمنية عاشها في غرفته، مصورا ما ينتابه من مشاعر وأحاسيس وجدانية. وهذا دليل على أن القصيدة تدخل فعلا ضمن تجربة سؤال الذات.
   إن قراءة النص تكشف على أن علي محمد طه يصور لنا حالته النفسية ونظرته للحياة وموقفه منها، حيث استهل قصيدته بتصوير حالته النفسية والجسمية التي أصبح عليها بفعل التفكير والسهاد. حالة سيتولد عنها استغراق الشاعر في همومه وأفكاره في انقطاع تام عن العالم الخارجي، ولاشك أن هذا الانقطاع عن العالم الخارجي ما هو إلا مظهر من مظاهر الكآبة والأسى التي جناها الشاعر من أفكاره وهمومه، في الأخير يقتنع الشاعر بأن الدنيا فانية لا تستحق كل هذه المعاناة، ويدعو نفسه إلى الخلود للنوم والراحة.
في ضوء هذه المضامين، نقف على جملة من المؤشرات النصية، منها: تعدد ضمائر المخاطب في النص (الكئيب، غارقا، رأسك، جفونك، أذبلت لست...)،  وإن كانت كلها حقيقة دالة على نفسية الشاعر، مما أفرز نوعا من التطابق الكلي بين المتكلم في النص ومخاطبه. أما المعجم فقد جاء معبرا عن التيار الذاتي الرومانسي، حيث زاوج الشاعر بين ألفاظ وعبارات دالة على الذات الشاعرة ( الكئيب، الحزين، السهد، الأسى، ارتعاش، شجونك، أحزانك...)، وألفاظ دالة على الطبيعة الخلاص والمنقذ (الليل، حر، الرعد، الإبراق، الدجى، نهار، الخريف...)، كما يحضر الحقل الدال على الغرفة كذلك ( السكون، السراج، ضوء شاحب، الموقد، الصمت...)، ولا يخفى علينا من خلال هذه الحقول الحضور القوي للحزن، مما يعني أنه عنصر مهيمن على نفسية الشاعر، في توحد تام مع عناصر الطبيعة وما يرتبط بها من أزمنة وأمكنة (الليل، الحزن والكآبة، عتمة الغرفة).
   خدمة لهذه المضامين الشعرية اختار علي محمود طه صورا شعرية موغلة في التخيل، مقارنة مع الصور التقليدية في الشعر القديم، حيث أنسنة الطبيعة والانزياح، من قبيل قوله مثلا: (قد تمشى خلال غرفتك الصمت...) الواردة في البيت السادس، والمجاز في الييت الثالث (يد تمسك اليراع...) أطلق الكل وأراد الجزء، فالأنامل هي التي تمسك القلم، (ليس يحنو الدجى عليك...) في البيت 12، إذ شبه الشاعر الدجى بإنسان له أحاسيس ومشاعر فحذف المشبه به ورمز إليه بالحنو،... وبالرجوع إلى المقطع الأول، بشكل كلي نكتشف أنه مشهد يصور الحالة النفسية الحزينة لشاعرنا طه.
   أما من حيث الأساليب فقد جمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، فالأول استعان به للإخبار عن حالته النفسية ومعاناته، مثل (مسلما رأسك / يد تمسك اليراع / أذبلت جفونك...)، أما الثاني فيرتبط بانفعالات الشاعر والرغبة في البوح، من ذلك قوله: (أيها الشاعر الكئيب، آه يا شاعري، هلا فرغت من أحزانك ؟، فقم الآن...).
   وبالعودة إلى إيقاع القصيدة الخارجي، نجد الشاعر بناها على وزن بحر الخفيف (فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن 2)،وقد التزم فيه الشاعر بالعروض الصحيحة والضرب مثلها، كما نوع في القافية بما يتماشى ودفقته الشعورية وتجربته الشعرية، فهي قافية مطلقة حينا، ومقيدة حينا آخر، في محاولة للتحرر من الشكل التقليدي، وتصوير شدة المعاناة، ساعد على ذلك تكراره لبعض الحروف بعينها (أرواء القصيدة، اللام، السين..) على المستوى الداخلي للقصيدة، وهي كلها حروف تمتح من معين الكآبة،، كما تكررت كلمات بالترادف (شجونك، أحزانك / الصمت، السكون / ناضب، ذابل...)، وتوازت الصيغ الصرفية، مثل: (جبين،أنين / طروب، خطوب...)وبعض الصيغ التركيبية ( مازلت غارقا في شجونك، مازلت سادرا في مكانك). ومن المؤكد أن كلا من التكرار والتوازي، قد أديا في هذه القصيدة، فضلا عن الوظيفة الجمالية، وظيفة تعبيرية، حيث تصوير وتأكيد التوتر النفسي للشاعر داخل الغرفة رفقة اليراع.
   صفوة القول، يمكن اعتبار هذه القصيدة من النماذج الشعرية التي تعكس بعمق مضامين خطاب سؤال الذات لدى علي محمود طه، حيث أحدث فيها انزياحا عن أصول القصيدة الكلاسيكية، شكلا ومضمونا، ووصولا إلى المعجم اللغوي الذي يغترف من مألوف الألفاظ ومأثورها، والصور الشعرية التي نزعت نحو الخيال والأنسنة، مما يؤكد بحق، ريادة جماعة "أبولو"، تيار الشاعر، في ترسيخ التيار الذاتي الرومانسي في الشعر العربي الحديث.

الجمعة، 5 أكتوبر 2012

تحليل مبسط لقصيدة "أثريت مجدا" للبارودي

    عاشت القصيدة العربية مرحلة طويلة من الضعف والتدهور والتخلف في عصر الانحطاط، ولما حل عصر الانبعاث، استعادت شيئا من بريقها، وقوتها التعبيرية من جديد، ويعد محمود سامي البارودي – بشهادة عدد من النقاد – أحد الرواد الأوائل الذين كان لهم الفضل الكبير في إحياء الشعر العربي، فقد رد إليه ما كان له في أزهى عصوره من القوة والفتوة، والبهجة والجزالة والأناقة بشاعرية متوقدة، ومعارضة لبعض القدامى، واندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية... فهل تجسد قصيدته "أثريت مجدا" هذه المواصفات ؟

     المؤشرات الخارجية للنص توحي بأن البارودي يحاول تصوير تجربته في المنفى، وإبراز تطلعاته وانتظاراته.  والمتأمل في هذه القصيدة، يدرك من الوهلة الأولى أن شكلها لا يختلف في شيء عن القصائد العربية القديمة، فهي من الشعر العمودي التقليدي الذي يقوم على نظام الشطرين المتناظرين، ووحدة الوزن والقافية والروي.
كما أن قراءة الأبيات (13-15-19) على سبيل المثال، تفضي إلى استنتاج مفاده أن ثمة مواقف مختلفة وأبعادا متعددة، ومعاني متنوعة، تختزل تجربة الشاعر في المنفى وتعلن عن أحواله النفسية وانفعالاته الداخلية ومواقفه من الحياة والناس. وهذا يعني أن مضامين القصيدة ليست واحدة، وإنما هي متنوعة، وتلك سمة من سمات القصيدة الكلاسيكية.
وبالعودة إلى القصيدة نجد شاعرنا استهلها بذكر الدمع والمكابدة من جراء حرقة المنفى في جزيرة سرنديب، وما ترتب عنها من إحساس ظالم بالغربة من جهة، واشتياقه إلى الأهل من جهة ثانية. لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن شوقه إلى وطنه وأهله، لدرجة لم يعد معها قادرا على الكتمان، مشيرا في الآن ذاته إلى أن ذلك لم ينل من عزيمته وإرادته، ومشيدا بخصاله الحميدة. في الأخير يورد الشاعر انتظاراته في شكل حكمة مأثورة مفادها أن الدهر إذا غدر به، فإن الليالي لابد ستصفو يوما، فهي لا تبرح على حال.
بناء على ما سبق يتضح أن القصيدة لا تنطوي على موقف نفسي واحد، بل هي سلسة مواقف تختزل تجربة الشاعر. وتجسد قيمه الأخلاقية الحميدة. وهذه سمة أخرى من سمات القصيدة البعثية.
خدمة لهذه المضامين وظف الشاعر حقلين دلاليين هما، حقل المعاناة النفسية (دمع، مكتئب، مكابدة، لواعجه، غربة، لا رفيق، كدرتها...)، وحقل الصبر والتفاؤل (ملكت حلمي، صنت عرضي، تصفو الليالي...) والملاحظ أنه اتخذ من الصبر والتفاؤل سبيلا لتجاوز معاناته النفسية جراء المحنة.
وبالعودة إلى الجانب الفني للقصيدة نستشف أن البارودي ظل محافظا على التصوير الذي نهجه القدماء من توظيف التشبيه، نحو (كأن قلبي إذا هاج...طائر في الفخ)...، والمجاز (أثريت مجدا/ ملكت حلمي / صنت عرض...)، وكلها صور متصلة بأحاسيسه ومشاعره، ومعبرة تعبيرا صادقا عن تجربته وعاطفته، بلغة بليغة قريبة المأخذ وواضحة الدلالة. كما أنه كان حريصا على أن يختم قصيدته بحكمة مأثورة مثل ما كان يفعل أسلافه من فحول الشعراء في القديم.
معاني حاول البارودي الكشف عنها بأساليب تعبيرية تتأرجح بين: الشرط: مثل (لولا مكابدة الأشواق...)، والنداء، مثل: (فيا أخا العذل لا تعجل بلائمة)، والاستفهام: مثل: ( كيف يملك دمع العين مكتئب؟)... وهي أساليب تعكس حالته النفسية المضطربة في المنفى، حيث المعاناة والشوق إلى الوطن. ومما زاد القصيدة قوة وحيوية نبرتها الإيقاعية، إذ اختار لها الشاعر بحر البسيط، في التزام تام بوحدة الوزن والروي والقافية، ولاشك أن اختياره لحرف الباء رويا مطلقا كان موفقا  نظرا لما يحمله هذا الحرف من دلالات مختلفة (المعاناة والإحساس بالغربة والاعتزاز بالنفس). وقد يتردد هذا الحرف في بعض الأبيات ترددا ملفتا للانتباه فيضفي على القصيدة رنة متوازية، يزيدها رونقا تمثل الشاعر للتوازي بمختلف صيغه وأنواعه كما هو وارد في الأبيات (14-16-18).

     ختاما، كشف البارودي لتجربته وأحاسيسه تجاه وطنه في المنفى بهذا الشكل الذي رأيناه، لم ينسه الوفاء لتقاليد القصيدة العربية القديمة، والإخلاص لعمود الشعر العربي ولأصوله المحددة، واستلهام المعاني الشعرية الأصيلة، إلا أن هذا الحكم لا يعني أنه كان مقلدا تابعا وحاطب ليل، وإنما كان يحاول فقط إحياء إرث شعري متميز، وبعث روح جديدة فيه، مواكبة لعصره وتطلعات أقرانه.